زكي مبارك

122

عبقرية الشريف الرضي

إن العفاف هنا ليس صورة للعفاف الذي يمضغه أدعياء الدين ، وإنما هو عفاف الشاعر الذي يرى ما دون الرذيلة مباحا في مباح ، ويكفي لغفر ذنوبه أن يمتعنا بهذا البيت : ثم انثنيت ولم أدنس سوى عبق * على جنوبي لريا بردها العطر ( 1 ) اللَّه أكبر ! ما هذا السحر يا اظرف الفاسقين ! ثم ماذا ثم يقول في مخاطبة الظباء : أنا من علمتن الغداة نقية * أزري وضامنة العفاف مآزري فاعرفن كيف شمائلي وضرائبي * وانظرن كيف مناقبي ومآثري كمعاقد الجبل الأشم معاقدي * ومجاور البيت الحرام مجاوري وكان يمكن أن نعيب عليه النص على المآزر في هذا الكلام النفيس ، ولكن ماذا يصنع والناس في سرهم وجهرهم يطوفون حول ذلك الجمر المدفون وحسبه من الشرف أن يقول : ومجاور البيت الحرام مجاوري * فهذا كلام لا يقوله إلا الفتيان الشرفاء ، وفيه صور لا تخفي على اللبيب . ثم يقول : وكم ليلة بتنا على غير ريبة * علينا عيون للنهي ومسامع نفض حديثا عن ختام مودة * معاقلنا احشاؤنا والأضالع يكاد غراب الليل عند حديثنا * يطير ارتياحا وهو في الوكر واقع خلونا فكانت عفة لا تعفف * وقد رفعت في الحيّ عنا الموانع

--> ( 1 ) الريا : الرائحة العطرة .